الخطبة الأولى: فضل ذكر الله وحال الأنبياء والسلف معه العنصر الأول: الذكر أيسر العبادات وأعظمها أجرًا أيها الأحبة الكرام، حديثي معكم اليوم عن عبادة قال عنها أسيادنا العلماء إنها من أيسر وأسهل العبادات، إنها عبادة ترفع لصاحبها الدرجات، وتحط عنه السيئات؛ هذه العبادة -كما أخبرنا سيدنا رسول الله ﷺ- تغرس لصاحبها النخيل والأشجار يوم القيامة في الجنات. عبادة ليس لها وقت معلوم، عبادة تُفعل في الصحة والمرض، عبادة تُفعل في البر والبحر، وفي السماء وفي الأرض، وفي السفر وفي الحضر؛ وهذه العبادة هي: ذكر الله عز وجل. العنصر الثاني: حقيقة الذكر وموطنه وذكر الله -كما قال أسيادنا العلماء- ليس قاصرًا على كلمات يرددها اللسان، أو تنطق بها الشفتان؛ فلا بد أن ينشأ الذكر من منبع القلب وقراره؛ فإذا ذكر القلبُ اللهَ، فاض ذكر الله رب العالمين على لسان العبد تسبيحًا، وتحميدًا، وتهليلًا، وتكبيرًا. أكرر: لا بد أن ينشأ الذكر من منبع القلب وقراره؛ فإذا ذكر القلبُ اللهَ، فاض ذكر الله رب العالمين على لسان العبد تسبيحًا، وتحميدًا، وتهليلًا، وتكبيرًا، نعم أيها الأحبة الكرام. قال أسيادنا العلماء: والعباد مأمورون بذكر الله معبودهم ومحبوبهم على كل حال؛ قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ﴾. العنصر الثالث: قوت القلوب وغذاؤها أيها الأحبة الكرام، ذكر الله إنما هو قوت القلوب؛ فكما أن هذا الجسد يحتاج إلى طعام وشراب ليقوى على الحياة، كذلك القلب يحتاج إلى ذكر الله، فغذاء القلب هو ذكر الله. قال ابن القيم -رحمه الله-، وهذا الكلام مستمد من حديث رسول الله ﷺ الذي أخرجه مسلم في صحيحه من حديث أبي موسى الأشعري أن النبي ﷺ قال: «مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه مثل الحي والميت» تمامًا بتمام. المسلم الذي يجلس بينه وبين نفسه يردد ذكرًا معينًا، ويستشعر حلاوة ذكر الله رب العالمين بقلبه، إنما هو حي؛ لذلك قال الإمام ابن القيم تعقيبًا على هذا الحديث النبوي الشريف: «ذكر الله هو قوت القلوب وغذاء القلوب، فمتى خلا القلب من ذكر الله أصبح خرابًا، وصار جسد صاحبه كالقبر تمامًا». والبيت الذي لا يُذكر الله فيه مقبرة للأموات وإن سكنه الأحياء، والقلب الذي غفل عن ربه جيفة خربة وإن نبض بالحياة! أيها الأحبة الكرام: القلوب إذا ذكرت الله تعالى اطمأنت وانشرحت؛ قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾. القلوب إذا ذكرت الله تعالى وجلت، وخافت، واضطربت من جلال الله ومن عظمة الله؛ قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾. واعلموا يا عباد الله أن القلب يصدأ كما يصدأ الحديد، وذلك من كثرة الذنوب والمعاصي، وجلاء هذا الصدأ إنما يكون بذكر الله رب العالمين. فعليكم أيها الكرام بالإكثار من ذكر الله في كل وقت وفي كل حين، وبصفة خاصة في يوم الجمعة. العنصر الرابع: التحذير من الغفلة وعواقبها واحرصوا يا عباد الله ألا تشغلكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله رب العالمين؛ قال الله تعالى مناديًا عباده المؤمنين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾. وقال الله رب العالمين: ﴿رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ۙ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾. إذا كنت تخاف الله رب العالمين فأكثر من ذكر الله، إذا كنت تخشى من ذنوبك فأكثر من ذكر الله؛ قال ابن القيم: «إن العبد ليأتي يوم القيامة بسيئات أمثال الجبال، فيجد لسانه قد هدمها من كثرة ذكر الله». العنصر الخامس: أحوال الأنبياء عليهم السلام مع ذكر الله أيها الأحبة الكرام، إذا أردنا أن نعرف قيمة الذكر ومنزلته عند الله، فلننظر إلى حال الأنبياء -عليهم السلام- مع ذكر ربهم؛ فذكر الله ليس مقتصرًا على المذنبين المقصرين. موسى عليه السلام: هذا نبي الله موسى -عليه السلام-، لما أرسله الله إلى فرعون لم يسأل ملكًا ولا جاهًا ولا مالًا، وإنما قال: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي﴾، ثم قال: ﴿وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾، لماذا؟ ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾، فكأن موسى -عليه السلام- يعلمنا أن أعظم ما يعين العبد في حياته أن يكون كثير الذكر لله تعالى. داود عليه السلام: وانظروا إلى نبي الله داود -عليه السلام-، ذلك النبي الذي آتاه الله الملك والحكمة والصوت الحسن، ومع ذلك كان لسانه رطبًا بذكر الله، حتى إن الجبال الصم والطير في السماء كانت تردد التسبيح معه؛ قال تعالى: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ * وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً ۖ كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ﴾. يونس عليه السلام: وهذا نبي الله يونس -عليه السلام-، لما أحاطت به الكربات، وألقي في ظلمات ثلاث: ظلمة الليل، وظلمة البحر، وظلمة بطن الحوت، لم يجد بابًا أعظم من باب الذكر، فنادى ربه قائلًا: ﴿لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، فكانت سببًا في نجاته وفرجه. زكريا عليه السلام: وهذا نبي الله زكريا -عليه السلام-، لما بشره الله بالولد، أمره بالإكثار من الذكر، فقال سبحانه: ﴿وَاذْكُر رَّبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾. سيد الخلق محمد ﷺ: ثم انظروا إلى سيد الخلق وإمام الذاكرين محمد ﷺ، فقد كان يذكر الله في كل أحواله، وكان يستغفر الله في اليوم أكثر من سبعين مرة، وفي رواية مائة مرة، مع أن الله قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. فإذا كان هذا حال الأنبياء مع الذكر، وهم صفوة الخلق وأحب الناس إلى الله، فكيف بنا نحن المذنبين المقصرين؟! ألا يجدر بنا أن نعمر ألسنتنا بذكر الله، وأن نكثر من التسبيح والتحميد والتهليل والاستغفار؛ لعل الله أن يحيي به قلوبنا، ويشرح به صدورنا، ويغفر به ذنوبنا؟ العنصر السادس: حال السلف الصالح مع الذكر كيف كان حال السلف مع ذكر الله تبارك وتعالى؟ قال الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-: «لأن أسبح الله تسبيحات أحب إلي من أن أنفق عددهن دنانير في سبيل الله». ويقول أبو هريرة -رضي الله عنه-: «إن البيت ليتسع على أهله، وتحضره الملائكة، وتهجره الشياطين، ويكثر خيره، أن يقرأ فيه القرآن ويذكر الله فيه. وإن البيت ليضيق على أهله، وتهجره الملائكة، وتحضره الشياطين، ويقل خيره، أن لا يقرأ فيه القرآن ولا يذكر الله فيه». ولما سئل سلمان الفارسي -رضي الله عنه-: أي الأعمال أفضل؟ قال: «أما سمعت قول الله تعالى: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾؟ لا شيء أفضل من ذكر الله». وهذا معاذ بن جبل -رضي الله عنه-، إمام العلماء، يقول كلمة تكتب بماء الذهب: «ما عمل آدمي عملًا أنجى له من عذاب الله من ذكر الله». وقال أحد السلف: «ما شيء أقر لعيني من أن أرى لساني رطبًا من ذكر الله». وذكر الله تبارك وتعالى دليل على محبة الله للعبد، ولذلك قال السلف: «إذا رأيت الله يؤنسك بذكره فقد أحبك، فكيف لو أحبك؟!». أيها الأحبة المسلمون، أرشدنا وحثنا وبين لنا نبينا ﷺ فضل الذكر، وذلك في كثير من الأحاديث، سنتناول بعضها بعد جلسة الاستراحة -إن شاء الله-. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم. الخطبة الثانية: باقة من الأحاديث النبوية في فضل الذكر أما بعد.. أيها الأحبة الكرام، باقة من أحاديث رسول الله ﷺ تدل دلالة واضحة على فضل ذكر الله رب العالمين، ومنها: أولًا: الذكر خير الأعمال وأرفعها ما أخرجه لنا الإمام الترمذي من حديث أبي الدرداء -رضي الله عنه- أن النبي ﷺ قال: «ألا أنبئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذهب والورق، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم، فتضربوا أعناقهم، ويضربوا أعناقكم؟!». قالوا: بلى. قال: «ذكر الله». عبادة -كما قلت لكم- من أيسر وأسهل العبادات، لكنها والله رافعة للدرجات، ولكننا للأسف الشديد شغلتنا الدنيا، وشغلنا أهلونا، وأموالنا، وأملاكنا عن ذكر الله تبارك وتعالى، وكثير منا -إلا من رحم الله- يذكر ربه بلسانه ولا يستحضر في قلبه ذكر الله رب العالمين؛ فلا بد أن تستشعر حلاوة الذكر في قلبك وأنت تذكر الله رب العالمين. ثانيًا: الوصية النبوية بالتمسك بالذكر كذلك من فضائل ذكر الله رب العالمين، ما أخرجه لنا الإمام ابن ماجه من حديث عبد الله بن بسر -رضي الله عنه- أن رجلًا قال: يا رسول الله، إن شرائع الإسلام قد كثرت علي، فأخبرني بشيء أتشبث به. فقال: «لا يزال لسانك رطبًا من ذكر الله تعالى». ثالثًا: سبق المفردين بذكر الله كذلك من فضائل ذكر الله رب العالمين، ما أخرجه لنا الإمام مسلم أن النبي ﷺ كان يسير في طريق مكة، فمر على جبل يقال له جمدان، فقال: «سيروا، هذا جمدان، سبق المفردون». فسألوه: وما المفردون يا رسول الله؟ قال: «الذاكرون الله كثيرًا والذاكرات». والله يا عباد الله، نحن متأخرون في كل شيء؛ الخير يتأخر، والدعاء يتأخر؛ لأن قلوبنا خلت من ذكر الله. خاتمة وتحذير: البكاء من خشية الله والتحذير من الملهيات أيها الأحبة الكرام، أختم بحديث رسول الله ﷺ الذي أخرجه لنا الشيخان البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي ﷺ قال: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله...»، ومنهم: «ورجل ذكر الله رب العالمين خاليًا ففاضت عيناه». والله نحن في غفلة يا عباد الله! بالله عليكم تفكروا في حالنا اليوم؛ نجلس على الهواتف طوال الليل، وتمر الساعات ولا نذكر الله ولا نصلي على النبي ﷺ، ومنشغلون مع المسلسلات والفيديوهات العارية، وتمر الساعات ولا نذكر الله، وننام قبل الفجر! فيجب أن نستفيق يا عباد الله قبل أن يأتي يوم نقول فيه: ﴿يَا حَسْرَتَنَا عَلَىٰ مَا فَرَّطْنَا فِيهَا﴾، وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم، يحملون ماذا؟ يحملون الأغاني والمسلسلات والأفلام الدنيئة! نسأل الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة. الدعاء أسأل الله تبارك وتعالى، ونحن في هذا اليوم الطيب المبارك، أن يجعلنا من الذاكرين الله كثيرًا. اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين. عباد الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، اذكروا الله العلي العظيم يذكركم، واستغفروه يغفر لكم، وسلوه يعطيكم، وأقم الصلاة.